الحارث المحاسبي
37
المسائل
فأما الفرض فليس للناس أن يتمثلوا ، يفعلون أو لا يفعلون ، فإن تمثلوا أثموا ، وإن انصرفوا عن التمثيل إلى الفعل سلموا ، وكتبت لهم الحسنات . وأما الخطأ الموضوع فهو أن يريد الشيء ثم يتخطاه إلى غيره ، فهو عنه موضوع ، فهذا الخطأ الموضوع ، لأنه لا يعقل كيف ابتداؤه ، وكيف منتهاه ، فيرفع بذلك عن صاحبه التكلف . ولو كان منه القصد إلى الفعل ، كان به مأخوذا . الشّيطان « 1 » قلت : ما معنى : الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ؟ قال : يجري بالوسوسة مجرى مقامه مع ابن آدم كمقامه مع الدم ، قال اللّه جل ثناؤه : فَوَسْوَسَ لَهُمَا [ الأعراف : 20 ] . فأجمع أهل التأويل على أنه وسوس إليهما وهما في السماوات ، وهو في الأرض ، لقوله : فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها [ الأعراف : 13 ] اخرج من السماء . والقول الآخر : اخرج من الجنة . قيل : فهل يعلم الشيطان ما تحدث به النفس ؟ فإنه يعارضها بالصد عن ذكر الخير . قال : إنّ الشيطان طالت مقارنته للإنسان ، وتفقده له ولأحواله ، حتى لم تخف عليه حاله ، فعرف مطالبه ومذاهبه ، وقد ابتلى به العبد . فعند كل خير صده عنه صدا ، من غير علم منه بما يحدث ، غير أنه قد علم أن خيرا قد أحدثه العبد ، وكذلك يعلم أنّ شرا قد أحدثه العبد ، لا يعلم أي خير ، ولا أي شر . فيعارضه عند حدوث الخير بالصدّ ، وعند حدوث الشر بالتزيين . لأنّ الخير إذا أحدث استنار له وجه صاحبه عنده ، وإذا أحدث الشر شأن وجهه . وكذلك الإنسان إذا طالت مقارنته لإنسان آخر فإنه يهتم بأمره ، ويعلم اهتمامه وسروره ، من غير أن يعلم ما الذي سره ، وما الذي غمه ، فتراه يقول إذا رآك مغموما : فما الذي غمك ؟ وإذا رآك مسرورا قال : ما الذي سرّك ؟
--> ( 1 ) الشيطان : كلّ عات متمرّد من الجن والإنس .